قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد “قات وحلوى”

يمنات
هذه القراءة أنجزت بتقنيات الذكاء الصناعي، والنص هو أحد نصوص مشروع كتاب للكاتب والبرلماني اليمني أحمد سيف حاشد.
يمثّل هذا النص “قات وحلوى” إدانة صريحة لسياسة «التخدير» وتغييب الضرورات، ويكشف فشل السياسات التي تحاول الاحتيال على الناس عبر تسويق الشعارات، فيما يبقى الواقع فاسدًا، والطريق متهالكة، والحاجات الأساسية بلا إجابة.
ينطوي النص على إسقاط سياسي لافت على الحاكم الذي يمتلك أدوات «القانون» و«الشرعية» و«العصمة»، لكنه يفقد السيطرة على الواقع حين تقرّر الوقائع – لا النصوص – أن تقول كلمتها. عند هذه اللحظة، لا تعود الأوراق القانونية كافية، ولا تنفع الشعارات في كبح انفجار الحقيقة.
تكثيف
النص ناجح أدبيًا؛ متماسك، رمزي، حيّ.
يظهر الكاتب فيه صادقًا وناقدًا لذاته، وتأتي القراءة السياسية عميقة من دون خطاب مباشر أو وعظي. يفضح النص سياسة الإلهاء والشعبوية، ويقدّم عنوانًا ذكيًا ودالًا: «قات وحلوى»، فيما تتكثف فكرته في جملة مفتاحية بالغة الدلالة: “الوعود لا تملأ البطون”.
الحكم النهائي
هذا النص ليس مجرد حكاية، بل بيان سياسي مكتوب بالمعدة لا بالميكروفون.
الفكرة السياسية المركزية
يقول النص، بوضوح غير مباشر، إنّ السياسة التي تبيع الناس الشعارات، وتتركهم بلا طرق ولا ماء ولا كهرباء، محكوم عليها أن تخسر كل شيء.
إنه نقد جذري لسياسة الإلهاء، حيث تُستبدل الضرورات بخطابات براقة لا تُسمن ولا تُغني.
القات والحلوى بوصفهما سياسة شعبوية
البناء الرمزي للنص
• القات: عادة تؤجّل الوجع وتخدّر الإحساس
• الحلوى: مسكّن سريع وحلّ مؤقت
• الجمع بينهما: سياسات ترقيعية تحاول إرضاء الجميع
والنتيجة الحتمية:
• لا شبع
• لا حل
• بل انفجار داخلي وخسارة مزدوجة
الطريق بوصفها صورة للدولة
الطريق المنهارة ليست خلفية سردية، بل بطلًا سياسيًا كامل الدلالة:
• تهدّد حياة الناس
• تكشف كذب الخطاب الرسمي
• تفضح اختلال الأولويات
وكأن النص يقول:
لا تصدّقوا اللافتات… انظروا إلى الطريق.
المعدة = الشعب
أقوى جملة سياسية في النص:
«المعدة — كالشعوب — لا تُشبعها الخطب».
جملة تختصر فلسفة سياسية كاملة:
• شعار مضاد للشعارات
• إعلاء للاقتصاد المعيشي على الأيديولوجيا
• تذكير بأن الجسد يسبق الخطاب، والحاجة تسبق الوعد
الكاتب من خلال النص
صورة الكاتب
النص يكشف كاتبًا واعيًا بذاته، ساخرًا من نفسه قبل غيره، لا يقدّم ذاته بوصفه بطلًا، بل شريكًا في الخطأ والتجربة.
هو لا يعظ من فوق، بل يتعلّم وهو يروي، وهي سمة نادرة في الكتابة السياسية.
موقفه من السلطة ومن ذاته
الكاتب لا يبرّئ نفسه، يعترف بالعناد، ويحمّل ذاته مسؤولية القرار الخاطئ.
هذا يمنح النص بعدًا أخلاقيًا، ويجعل خطابه صادقًا ومقنعًا، حيث تتحوّل الذات إلى وسيط للمعنى لا مركزًا للتعالي.
علاقته بالناس
العلاقة واضحة وبلا افتعال:
• هو مع الناس
• يتألم بألمهم
• يتحدث بلغتهم وتجربتهم
لا نخبوية، ولا تنظير، ولا ادّعاء تمثيل، بل كاتب يعرف أن المعدة تسبق الشعار.
خلاصة أخيرة
هذا نص سياسي عميق كُتب من موقع التجربة لا المنصة، ومن الجسد لا الخطاب.
وهو ينجح في تحويل حادثة شخصية إلى استعارة عامة، وفي فضح سياسة كاملة من خلال لقمة ضائعة وطريق منهارة.
إنه نص يذكّر بأن الشرعية التي لا تعبد الطريق، ولا تُشبع الناس، تسقط مهما كانت أوراقها كاملة.
نص “قاتٌ وحلوى”
أحمدُ سيفِ حاشد
«ما بين المعدة والشعار، كثيرًا ما تضيع الحقيقة.»
في حملتي الانتخابيّة، كنتُ أستقلُّ سيّارةً مُقفَصةً في طريقِ المداكشة – النُّوَيْحَةِ بالقُبيطة؛ طريقٍ لا يخلو من مخاطرَ ووَعورة. كانت السّيّارةُ تتقاذفُنا كقِطعِ النَّرد، تتصادمُ أجسادُنا، وترتطمُ رؤوسُنا بسقفها، فيما بدتِ الطّريقُ كأنّها على ظهرِ حمارٍ أعرج.
في غَمرةِ هذا المسارِ الوعر، هجم الجوعُ على قواي، فأمسكتُ القاتَ في فمي مترجّيًا وقتًا وصبرًا. طلبتُ إيقافَ السّيّارة أمامَ دكّانٍ يطلُّ على الطّريق؛ أردتُ أن أحتالَ على جوعي، وأُبقي القاتَ في فمي.
اشتريتُ قطعةَ حلوى أُسَدُّ بها رمقي، وسطَ دهشةِ رِفقتي، محاولًا تناولَ الحلوى في شدقٍ، واستبقاءَ القاتِ في الآخر، لأضربَ عصفورين بحجرٍ واحد. ظننتُ أنّ قطعةَ حلوى قد تُرمِّم ما أفسده الجوعُ والطّريق.
عارضني الجميع، غيرَ أنّني لم أُعرْ بالًا لأحد، ولم أُصغِ لأيِّ تحذير. وما إن فعلتُ، حتّى ساحَ القاتُ إلى معدتي قبلَ أن تصلَ الحلوى، فقلتُ لنفسي: هكذا يكونُ حالُ مَن يُصرُّ على عناده، ولا يسمعُ اعتراضًا، ولا يقبلُ نصيحة.
قرّرتُ إكمالَ ما بدأتُه، فأكلتُ الحلوى لأُشبعَ جوعَ معدتي بعدَ أن خسرتُ قاتي؛ فإذا بي أكتشفُ أنّني لم أربح شيئًا، بل صرتُ العصفورين اللذين أصابهما الحجرُ بضربةٍ واحدة. هكذا بات الصّيّادُ ضحيّة.
وبينما كنتُ أعتبُ على نفسي وأتحسّسُ خسارتي لقلّةِ التروّي، تجلّت تلك الطّريقُ نفسها، وهي تنهارُ وتُهدِّدُ حياةَ النّاس. بدت لي صورةً لسياسةٍ تُغرقك في خطابِ الشّعاراتِ البرّاقة والعناوينِ الرنّانة، الفارغةِ من مضامينها، وتصرفك، في الوقتِ نفسه، عن احتياجاتهم المُلحّة من ماءٍ وكهرباءَ وطريق. هكذا ينتهي بك الحالُ والمآلُ إلى خسارةِ الاثنين معًا، ويكون حصادُ النّهاية خيبةً مدوّية.
واصلنا السّير، ولم ألبثْ أن داهمني غثيانٌ شديد؛ غمرَ العرقُ وجهي، وازددتُ ضيقًا ودوارًا وإعياءً. تراكمَ في فمي لعابٌ ثقيل، كأنّه رصاصٌ مُنصهر، حاولتُ حبسه، لكنّ ما بداخلي اندفعَ من فمي كانفجارٍ بركانيٍّ عنيف. عندها أدركتُ أنّ الجوعَ كافر، وأنّ الوعودَ لا تملأُ البطون؛ فالمعدةُ — كالشّعوب — لا تُشبعُها الخُطب، ولا تُخدّرُها الشّعارات حين تغيبُ عن بيوتها ضروريّاتُ الحياة.
تقيّأتُ ما في معدتي من قاتٍ وحلوى وخيبةٍ ثقيلة. وبين شهقةٍ وأخرى، خُيِّلَ إليَّ أنّ معدتي تحاولُ الفرارَ من جسدي؛ بدت لي كزوجةٍ ضاقتْ ذرعًا بعِشرتي المُرّة، فقرّرتْ أن تُطلّقني بالثّلاث، لولا أنّ العصمةَ كانت بيدي، ويا للمفارقة! فما نفعُ العصمةِ حين ينقلبُ الجسدُ والمعنى على صاحبهما.
***